إخوان الصفاء
203
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
المحرّكة لتلك الآلة ، ما أراد من الملء والتفريغ أمسك الحركة فوقف الدولاب عن الرّفع والحط ، كذلك فعل الطبيعة إنما هي حركة متصلة بها عن آلة فلكية محركة ، دورية مربوطة بها النفس الكلية بقوة عقلية ، تبدو عن مشيئة إلهية وعناية ربّانيّة بأمر من هو لا يعلمه إلّا هو ، إرادة اختيارية قاصدة إلى أمر غير مدرك إدراك الحس ، فيكون داخلا في جملة المحسوسات ، وإنما يدرك من العلم أنه به معرّى عن الصفات والنهايات التي تنتهي إليها المخلوقات وتقف عندها الموجودات من أفعال الجزئيات ، لكنه أمر يقال عليه قول يطّرد لا إلى تعطيل ولا تبطيل ، إذ كان يقول : « ما خلق اللّه ذلك إلّا بالحق » وقوله : « إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون » . وبالأمر كانت المكوّنات ، والإرادة سابقة للكون ، والإبداع الأول موضع الكون ، وبه كانت الأشياء أشياء خارجة من العدم إلى الوجود ، وبكونها في المكان تحيزت وتميزت موجودة بذواتها عن موجدها الملقي لها إلى ما دونه ، كإلقاء الذكر ما يكون فيه بالقوة من النّطفة إلى الأنثى ، لتظهر بالفعل صورة موجودة بوجوده محتاجة إلى التمام والكمال ، يتهيأ لقبول ذلك فيتحد به من قوة النفس وما يتصل بواسطة الشمس ، فيشرق عليه من أثر العقل ما تكون به حياة نفسه وكمال جسمه عند استكمال الآلة ، وكونه على أفضل حالاته . فلذلك قلنا إن الدائرة الإلهية والصور العقلية العلوية هي كتاب تلوح سطوره المكتوبة بقلم الإرادة ولوح المشيئة المحفوظة فيه ، بحيث تكون حافظة له ، وبها يكون انبعاث قواها فيما دونه حتى تصير أشياء منها روحانية بسيطة ، نورانية بادية عنها بكونها في دائرة النفس الكلية ، فيستقر كل منها في مقام لا يعدوه كالحروف المرتبة في سطورها المنظومة ، وخطوطها المرسومة ، مرتبة في أقسامها ، مستوية في نظامها لا يعدو بعضها بعضا . فالعقل منزل كل تلك الأمور على النفس ، والممدّ لها بها ، وهي المستفتحة